تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
اعرض ملفك على المكتب

تسوية تركة في تونس من الخارج: الورثة والقانون المنطبق والأموال والإجراءات الأولى

يتوفى شخص ويترك ورثة يقيمون في فرنسا أو بلجيكا أو إيطاليا أو كندا، مع عقار أو حسابات أو منقولات أو مساهمات في شركة موجودة في تونس. ويكون أول سؤال للعائلة عادة: «كيف نقسم التركة؟». لكن القسمة ليست دائمًا أول خطوة قانونية. ففي الملف الدولي يجب قبلها تحديد الجهة المختصة، والقانون المنطبق، وصفة الورثة، ومكونات التركة، ومدى قابلية الوثائق الأجنبية للاستعمال في تونس. هذا المقال يقتصر على هذه المرحلة التمهيدية؛ أما النزاع في القسمة وبيع العقار الموروث فلهما مقالان مستقلان حتى لا تختلط المسارات.

راجعه الأستاذ أحمد بن حمدان محامٍ لدى الاستئناف

1. متى تصبح التركة ذات بعد دولي؟

تكون التركة ذات بعد دولي متى ارتبط عنصر جوهري منها بدولة أخرى: موطن المتوفى بالخارج، تعدد الجنسيات، وجود ورثة خارج تونس، أموال موزعة بين أكثر من دولة، وصية محررة بالخارج، أو أحكام أجنبية تؤثر في الحالة المدنية أو صفة أحد الورثة.

في هذه الحالة يجب التمييز بين سؤالين مختلفين: الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية والقانون الواجب التطبيق على التركة. وقد تكون المحاكم التونسية مختصة دون أن يعني ذلك أن القانون التونسي يحكم آليًا كل عنصر من عناصر التركة.

2. متى تختص المحاكم التونسية؟

تسند مجلة القانون الدولي الخاص الاختصاص للمحاكم التونسية، من بين الحالات التي تضبطها، في الدعاوى المتعلقة بتركة افتتحت في تونس أو بانتقال أموال منقولة أو عقارية موجودة في تونس. كما تقر اختصاصًا حصريًا في الدعاوى العينية المتعلقة بعقار كائن بالبلاد التونسية.

حالة تطبيقية

توفي تونسي كان يقيم بفرنسا، وترك أبناء يعيشون هناك وشقة بتونس. إقامة العائلة بفرنسا لا تلغي ضرورة معالجة الجزء المتعلق بالعقار في تونس. وفي المقابل، وجود عقار بتونس لا يعني أن جميع الأموال الموجودة بالخارج تخضع لنفس الإجراءات.

3. ما هو القانون الواجب التطبيق على الميراث؟

تتضمن مجلة القانون الدولي الخاص في الباب المخصص للمواريث روابط إسناد تتصل بجنسية المتوفى عند الوفاة، وموطنه الأخير، والدولة التي ترك فيها أموالًا. لذلك يجب تجنب قاعدتين مبسطتين وخاطئتين: «المتوفى تونسي إذن القانون التونسي يطبق على كل شيء»، أو «كان يعيش بفرنسا إذن القانون الفرنسي وحده يطبق».

التحليل الصحيح يراجع الجنسية أو الجنسيات، الموطن الأخير، أماكن الأموال، طبيعتها، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. والنتيجة يمكن أن تؤثر مباشرة في تحديد الورثة وآثار الوصية والحقوق المالية لكل شخص.

4. ماذا إذا وجب تطبيق قانون أجنبي أمام القضاء التونسي؟

مجلة القانون الدولي الخاص تنظم إثبات مضمون القانون الأجنبي. فمجرد الإشارة إلى القانون الفرنسي أو الإيطالي لا تكفي؛ يجب، عند الاقتضاء، إقامة الدليل على النص الواجب التطبيق ومضمونه وتحيينه، ويمكن أن يستعمل في ذلك شهادة في مضمون القانون الأجنبي (certificat de coutume) أو وسيلة كتابية أخرى مقبولة.

ومن الخطأ انتظار الجلسة للقول: «القانون الفرنسي يمنحني هذا الحق». ينبغي إعداد النص الأجنبي وتاريخ سريانه وكيفية إثباته قبل تقديم الطلبات التي تبنى عليه.

5. مضمون الوفاة لا يساوي إثبات صفة الورثة

مضمون الوفاة يثبت واقعة الوفاة، لكنه لا يثبت بمفرده كامل الورثة. وفي الممارسة التونسية يقع إعداد حجة الوفاة والوثائق المثبتة للورثة وفق الإجراءات المعمول بها، اعتمادًا على معطيات الحالة المدنية وغيرها من المؤيدات اللازمة.

ومن الوثائق التي تفيد في هذه المرحلة: مضمون الوفاة، مضامين الحالة المدنية للورثة، بيانات العقارات المسجلة، الوصية عند وجودها، وما تطلبه الجهة المختصة من شهادات أو مؤيدات إضافية.

6. إذا حصلت الوفاة بالخارج

عندما يتوفى تونسي بالخارج يجب التثبت أولًا من وضعية الوفاة في سجلات الحالة المدنية التونسية، واستكمال ترسيم الوفاة عند الحاجة وفق المسار القنصلي أو القانوني المناسب.

لكن يجب عدم الخلط بين ترسيم واقعة الوفاة وتسوية التركة. فالأولى تتعلق بالحالة المدنية، والثانية تتعلق بمن يرث وما الذي يدخل في التركة وكيف تثبت الحقوق على الأموال.

7. الوثائق الأجنبية: لا تصدّق كل شيء آليًا

لا توجد قاعدة واحدة تقول إن كل وثيقة أجنبية تحتاج دائمًا إلى نفس التصديق أو الأبوستيل أو الترجمة. يجب أولًا تحديد الدولة المصدرة، ونوع الوثيقة، والسلطة التي أصدرتها، والأثر المطلوب منها في تونس، وأي اتفاقية ثنائية أو متعددة الأطراف سارية.

وثائق تستحق المراجعة المبكرة

  • رسم أو شهادة وفاة أجنبية.
  • عقد زواج أو حكم طلاق سابق.
  • مضامين ولادة أو حكم في النسب أو التبني.
  • وصية محررة بالخارج.
  • وكالة محررة بالخارج.
  • سند ملكية أو وثيقة بنكية أو وثيقة شركة.
  • السؤال الصحيح ليس «هل نصدق الجميع؟»، بل «ما الأثر الذي يجب أن تنتجه كل وثيقة وما الشكل المطلوب لذلك؟».

8. جرد أموال المورث: من المعلومات العائلية إلى أموال قابلة للإثبات

بعد ضبط الورثة يجب إعادة تكوين الذمة المالية. كثيرًا ما تكون المعلومات الأولية من قبيل: «كان له عقار في أريانة»، أو «كان يملك جزءًا في منزل مع إخوته»، أو «كانت له حصص في شركة».

يجب تحويل ذلك إلى معطيات قانونية: رقم رسم عقاري، اسم المالك المرسم، القيود، العقود السابقة، منابات على الشياع، حصص اجتماعية، ديون للمتوفى أو عليه، وعقود أو أصول أخرى يمكن تحديدها قانونًا.

9. الرسم العقاري قد يكشف مشكلة أقدم من الوفاة نفسها

قد يظهر أن الرسم لا يزال باسم المورث، أو باسم والده المتوفى قبله، أو يتضمن عدة ورثة لم تقع تسوية وضعيتهم. لذلك يجب استخراج وضعية عقارية محينة قبل بناء أي مشروع قسمة أو بيع.

وتختص المحكمة العقارية بمسائل معينة تتعلق بالتسجيل وتحيين الرسوم والطعون الداخلة في مرجع نظرها، بينما تبقى القسمة والنزاعات الأخرى خاضعة لجهاتها المختصة. المهم هو تحديد المرحلة التي يحتاجها الملف لا استعمال عبارة عامة مثل «تحيين الرسم» دون تشخيص.

10. هل توجد جهة واحدة تكشف كل أموال المتوفى؟

عمليًا لا توجد عملية واحدة تكشف تلقائيًا كل أموال المورث لدى البنوك والشركات والإدارات والسجلات. لذلك يفيد إعداد بطاقة أولية للتركة تشمل العناوين المعروفة، أرقام الرسوم القديمة، أسماء الشركات، البنوك المعروفة، العقود، الوصولات، أسماء الشركاء على الشياع وأي مرجع يمكن أن يقود إلى أصل مالي.

وثيقة قديمة أو رقم رسم مكتوب بخط اليد قد يكون أحيانًا أهم من عشر شهادات عامة لا تحدد المال.

11. هل يجب على الورثة بالخارج الحضور إلى تونس؟

ليس في كل المراحل. يمكن للمحامي، في حدود المهمة والقانون، دراسة الوثائق، متابعة إجراءات، القيام بأبحاث قانونية، طلب أو فحص بعض المؤيدات، ومباشرة الأعمال التي تقبل النيابة.

لكن الوكالة يجب أن تصاغ بحسب المهمة. وكالة متابعة إجراء لا تعني بالضرورة صلاحية القسمة أو بيع عقار أو قبض الثمن. لذلك تُعد الوكالة بعد تحديد المطلوب، لا قبل معرفة الملف.

12. ما الذي يجب جمعه قبل الاستشارة الأولى؟

وثائق يُستحسن إعدادها قبل الاستشارة

  • وثائق المتوفى: الوفاة، الهوية، الولادة، الحالة العائلية، آخر موطن، الجنسية أو الجنسيات، الوصية.
  • وثائق الورثة: الهوية، صلة القرابة، مضامين الحالة المدنية، العناوين والجنسيات.
  • وثائق الأموال: رسوم وعقود، وثائق شركات، مراجع بنكية معلومة، وثائق جبائية، معلومات عن الديون وأي مستند يشير إلى أصل مالي.
  • لا تتخلص من الوثيقة القديمة لمجرد أنها غير محينة؛ فقد تكون نقطة الانطلاق لتحديد المال.

حالة تطبيقية: وفاة بفرنسا ومنزل بتونس

إذا كان الأب تونسيًا وتوفي بفرنسا وترك ثلاثة أبناء هناك ومنزلًا بتونس، يكون المسار العملي عادة: التثبت من الحالة المدنية وترسيم الوفاة عند الحاجة، إقامة صفة جميع الورثة، تحديد قاعدة الاختصاص والقانون المنطبق، إثبات القانون الأجنبي إذا وجب، ثم استخراج الوضعية العقارية وتحديد ما إذا كان الرسم يحتاج إلى تسوية.

بعد ذلك فقط يحدد الهدف: الاحتفاظ بالعقار، قسمته، أو بيعه. إذا رفض أحد الورثة تنتقل المسألة إلى مقال القسمة والشياع؛ وإذا اتفق الجميع على البيع تنتقل إلى مقال بيع العقار الموروث من الخارج.

أسئلة متكررة

يمكن إنجاز جانب مهم من الملف بالنيابة، بحسب طبيعة الإجراء. بعض الأعمال قد تتطلب حضورًا أو إمضاءً شخصيًا، ولذلك يجب تحديدها قبل إعداد الوكالة.

لا. يثبت الوفاة، أما صفة جميع الورثة فتحتاج إلى إجراءات ووثائق إضافية وفق الوضعية.

ليس بالضرورة على كل المسائل. يجب تطبيق قواعد الإسناد ومراجعة الموطن والأموال والجنسية والاتفاقيات ذات الصلة.

نعم عندما تعينه قاعدة القانون الدولي الخاص، مع وجوب إثبات مضمونه وفق القواعد الإجرائية عند الاقتضاء.

ليس بالضرورة. يجب أيضًا التثبت من الوضعية العقارية والحقوق الواجب ترسيمها ومن صلاحيات كل من سيشارك في البيع.

المراجع القانونية والإدارية

  • مجلة القانون الدولي الخاص، خاصة الأحكام المتعلقة بالاختصاص الدولي، إثبات القانون الأجنبي، المواريث والحقوق العينية.
  • القانون عدد 3 لسنة 1957 المتعلق بالحالة المدنية، كما تم تنقيحه وإتمامه.
  • مجلة الحقوق العينية وقواعد الإشهار العقاري.
  • وزارة العدل: إجراءات الحالة المدنية والمحكمة العقارية.
  • الخدمات القنصلية التونسية المتعلقة بالوفاة والتركات.
  • الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف السارية بحسب الدولة والوثيقة.

يُقدَّم هذا المقال لأغراض إعلامية فقط. وهو لا يُشكّل استشارة قانونية شخصية ولا يُنشئ أي علاقة بين المحامي والموكل. وينبغي دراسة أي قرار في ضوء وضعكم الخاص والقانون المنطبق.